دخول

أقرأ في صحيفة البديل

      ليس بثائر .. من يدين ثوار موقعة (السفارة) !! .. الاردن : الاستجابة للإصلاح...مؤجلة .. حول ...أزمة الحراك في الاردن .. أفكار على المحك .. وهم الدولة ليس بديلا عن مشروع التحرير .. يتهافتون على ليبيا..ربما يحبون الشعب الليبي!! نفاق واكاذيب لا تنطلي على الليبيين .. الصفقة التي لم تتم .. الائتلاف الشبابي والشعبي للتغيير يقيم اعتصام حق العودة امام الامم المتحدة
الفصل الثالث   الركن الاجتماعي

الركن الاجتماعي

للنظرية العالمية الثالثة

 

 

ان المحرك للتاريخ الإنساني هو العامل الاجتماعي…أي القومي ، فالرابطة الاجتماعية التي تربط الجماعات البشرية كلاً على حدة … من الأسرة إلى القبيلة إلى الأمة هي أساس حركة التاريخ . ( إن أبطال التاريخ هم أفراد يضحون من أجل قضايا ). ليـس هناك أي تعريف آخر لذلك. ولكن أي قضايا؟ إنهم يضحون من أجل آخرين... ولكن أي آخرين؟ إنهم الآخرون الذين لهم علاقة بهم .. وإن العلاقة بين فرد وجماعة هي علاقة اجتماعية… أي علاقة قوم ببعضهم بعضا . فالأساس الذي كون القوم هو القومية ، إذن ، تلك القضايا هي قضايا قومية … والعلاقة القومية هي العلاقة الاجتماعية فالاجتماعية مشتقة من الجماعة ، أي علاقة الجماعة فيما بينها.والقومية مشتقة من القوم،أي علاقة القوم فيما بينهم ، فالعلاقة الاجتماعية هي العلاقة القومية .. والعلاقة القومية هي العلاقة الاجتماعية … إذ إن الجماعة هي قوم ، والقوم هم الجماعة حتى إذا قل عدد الواحدة عن الأخرى . ناهيك عن التعريف التفصيلي الذي يعني الجماعة المؤقتة بغض النظر عن علاقات أفرادها القومية . إن المقصود بالجماعة هنا هو الجماعة الدائمة بسبب علاقتها القومية .
ثم ، إن الحركات التاريخية هي الحركات الجماهيرية أي الجماعية .. أي، حركة الجماعة من أجل نفسها.. من أجل استقـلالها عن جماعة أخرى ليست جماعتها ، أي لكل منهما تكوين اجتماعي يربطها بنفسها . فالحركات الجماعية دائماً هي حركات استقلالية ..حركات لتحقيق الذات للجماعة المغلوبة أو المظلومة … من طرف جماعة أخرى ، أما مسألة الصراع على السلطة فهو يقع داخل الجماعة ذاتها حتى مستوى الأسرة ، كما يوضحه الفصل الأول من الكتاب الأخضر الركن السياسي للنظرية العالمية الثالثة . والحركة الجماعية هي حركة قوم من أجل، نفسها إذ إن الجماعة الواحدة بحكم تكوينها الطبيعي الواحد لها حاجات اجتماعية واحدة تحتاج إلى إشباع بحالة جماعية . وهي ليست فردية على أي وجه ، بل هي حاجات أو حقوق أو مطالب أو غايات جماعية صاحبها قـوم تربطهم قومية واحدة . ولذا سميت هذه الحركات بالحركات القومية . فحركات التحرر القومي في العصر الحاضر هي نفسها الحركات الاجتماعية ، وهي لن تنتهي حتى تتحرر كل جماعة من سيطرة أي جماعة أخرى . أي أن العالم الآن يمر بإحدى دورات حركة التاريخ العادية وهي الصراع القومي انتصاراً للقومية .
  هذه هي الحقيقة التاريخية في عالم الإنسان وهي الحقيقة الاجتماعية ، أي أن الصراع القومي .. الصراع الاجتماعي هو أساس حركة التاريخ ، لأنه أقوى من كل العوامل الأخرى ، ذلك لأنه هو الأصل، هو الأساس ..أي أنه هو طبيعة الجماعة البشرية ، طبيعة القوم ، بل هو طبيعة الحياة نفسها ، إذ إن الحيوانات الأخرى من غير الإنسان تعيش في جماعات ، وإن الجماعة هي أساس بقاء جماعات المملكة الحيوانية . والقومية هي أساس بقاء الأمم .
  إن الأمم التي تحطمت قوميتها هي التي تعرض وجودها للدمار. إن الأقليات التي هي إحدى المشكلات السياسية في العالم سببها اجتماعي فهي أمم تحطمت قوميتها فتقطعت أوصالها. فالعامل الاجتماعي عامل حياة … عامل بقاء ، ولهذا فهو محرك طبيعي وذاتي للقوم من أجل البقاء .
  القومية في عالم الإنسان والحيوان مثل الجاذبية في عالم الجماد والأجرام فلو تحطمت جاذبية الشمس لتطايرت غازاتها وفقـدت وحدتها ، ووحدتها هي أساس بقائها ، إذن ، البقاء أساسه عامل وحدة الشيء . وعـامل وحـدة أي جماعة هو العامل الاجتماعي ، أي القومية . ولهذا السبب تكافح الجماعات من أجل وحدتها القومية ، لأن في ذلك بقاءها .& ; والعامل القومي … الرابطة الاجتماعية يعمل تلقائياً على دفع القـوم الواحد نحو البقاء مثلما تعمل جاذبية الشيء تلقائياً على بقائه كتلة واحدة حول النواة. إن انتشار الذرات وتطايرها في نظرية القنبلة الذرية ناشيء من تفجيـر النواة مصدر الجذب للذرات التي حولها ، فعندما يدمر عامل الوحدة لتلك الأجسام وتفقد الجاذبية تطير كل ذرة على حدة ، وتنتهي القنبلة إلى تطاير ذرات وما يصحبها . هذه هي طبيعة الأشياء . إن هذا قانون طبيعي ثابت وتجاهله أو الاصطدام به يفسد الحياة . وهكذا تفسد حياة الإنسان عندما يبـدأ تجاهل القومية .. العامل الاجتماعي … جاذبيـة الجماعة سر بقائها .. أو عندما يبدأ الاصطدام به ، وليس هناك مـن منافس للعامل الاجتماعي في التأثير على وحدة الجماعة الواحدة إلا العامل الديني الذي قد يقسم الجماعة القومية ، والذي قد يوحد جماعات ذات قوميات مختلفة . بيد أن العامل الاجتماعي هو الذي يتغلب في النهاية .

  هكذا حدث في كل العصور. تاريخياً لكل قوم دين . إن ذلك هو الانسجام .ولكن واقعياً هناك اختلاف ، وهو سبب حقيقي للنزاع وعدم استقرار حياة الشعوب في مختلف العصور أيضاً.
  القاعدة السليمة هي أن لكل قوم ديناً، والشذوذ هو خـلاف ذلك . والشذوذ هذا خلق واقعاً غير سليم صار سبباً حقيقياً في نشـوب النزاعات داخل الجماعة القـومية الواحدة . وليس من حل إلا الانسجام مع القاعدة الطبيعية التي هي: لكل أمـة دين, حتى ينطبق العامل الاجتماعي مع العامل الديني فيحصل الانسجام ، وتستقر حياة الجماعات وتقوى وتنمو نمواً سليماً .  
  الزواج عملية تؤثر على العامل الاجتماعي سلباً وإيجاباً . فبالرغم من أنَ كلاً من الرجل والمرأة حرفي قبول من يريد ورفض من لا يريد كقاعدة طبيعية للحرية ، إلا أن الزواج داخل الجماعة الواحدة مقوّ لوحدتهـا بطبيعة الحال ، ويحقق نمواً جماعياً منسجماً مع العامل الاجتماعي.

الأسرة


  فالأسرة بالنسبة للإنسان الفرد أهم من الدولة.. الإنسانية تعـرف الفرد (الإنسان ) والفرد ( الإنسان ) السوي يعرف الأسرة … والأسرة هي مهده ومنشؤه ومظلته الاجتماعية . طبيعياً الإنسانية الفرد والأسرة ، وليس الدولة ..الإنسانية لا تعرف ما يسمى بالدولة …الدولة نظام سياسي واقتصادي اصطناعي وأحياناً عسكري لا علاقة للإنسانية به.. ولا دخل لها فيه . فالأسرة هي تماماً مثل النبتة الواحدة في الطبيعة التي هي أساس النبات الطبيعي .. أما تكييف البيئة الطبيعية إلى مزارع وحدائق وما إليها فهذا إجراء اصطناعي لا صلة له بطبيعة النبتة المتكونة من عدد من الفروع والأوراق والأزهار بما يشبه الأسرة تماماً.
فكون العوامل السياسية والاقتصاديـة أو العسكرية كيفت مجاميع من الأسر في دولة فهذا لا صلة للإنسانية به . وهكذا فأي وضع أو ظرف أو إجراء يؤدي إلى بعثرة الأسرة  أو اضمحلالها وضياعها هو وضع غير إنساني وغير طبيعي، بل هو ظرف تعسفي، وهو تماماً مثل أي عمل أو ظرف أو إجراء يؤدي إلى قتل النبتة أو بعثرة فروعها أو إتلاف أزهارها أو أوراقها أو ذبولها. 
  إن المجتمعات التي يتهدد فيها وجود الأسرة ووحدتها بسبب أي ظرف، هي مثل الحقل النباتي الذي يتهدد نباته بالانجراف أو العطش أو الحرق أو الذبول واليبس. فالحديقة المزهرة أو الحقل المزهر هو الذي تنمو نباتاته نمواً طبيعياً وتزهر وتلقح وتستقر … وكذلك المجتمع الإنساني . 
  فالمجتمع المزدهر هو الذي ينمو فيه الفرد في الأسرة نمواً طبيعياً ، وتزدهر فيه الأسرة ، ويستقر الفرد في الأسرة البشرية مثل الورقة في الغصن أو مثل الغصن في الشجرة لا معنى له إذا انفصل عنها ولا حياة مادية له . وكذلك الفرد إذا انفصل عن الأسرة ، أي الفرد بلا أسرة ، لا معنى له ولا حياة اجتماعية له ، وإذا وصل المجتمع الإنساني إلى وجود الإنسان بدون أسرة يصبح حينئذ مجتمع صعاليك ، مثله مثل النبات الصناعي.


 

القبيلة

 

   القبيلة هي الأسرة بعد أن كبرت نتيجة التوالد..إذن القبيلة هي أسرة كبيرة . والأمة هي القبيلة بعد أن كبرت نتيجة التوالد .. إذن الأمة هي قبيلة كبيرة . والعالم هو الأمة بعد أن تشعبت إلى أمم نتيجة التكاثر . إذن العالم هو أمة كبيرة. 
  إن العلاقة التي تربط الأسرة هي التي تربط القبيلة وهي التي تربط الأمة ، وهي التي تربط العالم إلا أنها تفتر كلما كثر العدد . فالإنسانية هي القومية . والقومية هي القبلية، والقبلية هي الرابطة الأسرية ، إلا أن درجة حرارتها تبرد من المستوى الصغير إلى المستوى الكبير. هذه حقيقة اجتماعية لا ينكرها إلا الذي يجهلها . 
  إذن ، الرابطة الاجتماعية والتماسك والوحدة ،والألفة والمحبة أقوى على مستوى الأسرة منه على مستوى القبيلة ، وأقوى على مستوى القبيلة منه على مستوى الأمة وأقوى على مستوى الأمة منه على مستوى العالم . 
  إن المنافع والمزايا والقيم والمثل العليا المترتبة على تلك الروابط الاجتماعية توجد حيث تكون درجة هذه الروابط قوية بطبيعة الحال ودون شك كبديهية ، أي أنها أقوى على مستوى الأسرة من مستوى القبيلة ، وأقوى على مستوى القبيلة منها على مستوى الأمة ، وعلى مستوى الأمة منها على مستوى العالم . وهكذا تتلاشى أو تفقد تلك الروابط الاجتماعية والمنافع والمزايا والمثل المترتبة عليها كلما تلاشت أو فقدت الأسرة والقبيلة والأمة والإنسانية .
ولذا من المهم جداً للمجتمع الإنساني أَن يحافـظ علـى التمـاسك الأسري والقبلي والقومي والأممي ليستفيد من المنافع والمزايا والقيم والمثل التي يوفرها الترابط والتماسك والوحدة والألفة والمحبة الأسرية والقبلية والقومية والإنسانية.
فالمجتمع الأسري أفضل اجتماعياً من المجتمع القبلي . والمجتمع القبلي أفضل اجتماعياً من المجتمع القومي … والمجتمع القومي أفضل من المجتمع الأممي من حيث الترابط والتراحم والتضامن والمنفعة .
فوائد القبيلة :
من حيث كون القبيلة أسرة كبيرة ، إذن هي توفر لأفرادها ما توفره الأسرة لأفرادها أيضاً من منافع مادية ومزايا اجتماعية . فالقبيلة هي أسرة من الدرجة الثانية . والجدير بالتأكيد هو أن الفرد قد يسلك أحياناً سلوكاً مشيناً لا يستطيعه أمام الأسرة ، ولكـن نظـراً لصغر حجمـها فهو لا يحس برقابتها ، على عكس القبيلة التي لا يشعر أفرادها أنهم في حرية من مراقبتها. 
  وبنـاء على هذه الاعـتبـارات كـونت القبيلة سلوكاً لأفرادها يتحول إلى تربية اجتماعية أفضل وأنبل من أي تربية مدرسية … والقبيلة مدرسة اجتماعية ينشأ أفرادها منذ الطفولة على تشرب مثل عليا تتحول إلى سلوك حياة تترسخ تلقائياً كلما كبر الإنسان ، على عكس التربية والعلوم التي يتم تلقينها رسمياً والتي تتلاشى تدريجياً كلما كبر الفرد لأنها رسمية ولأنها إجبارية ، ولأن الفرد يعى أنها ملقنة له. 
  والقبيلة مظلة اجتماعية طبيعية للضمان الاجتماعي ، فهي توفر لأفرادها بحكم التقاليـد القبليـة الاجتماعيـة ديـة جماعية وغرامة جماعية وثأراً جماعياً ودفاعاً جماعياً ، أي حماية اجتماعية …
  إن الدم هو الأصل في تكوين القبيلة ، ولكنها لا تتوقف عليه هو فقط , فالانتماء هو أيضاً من مكونات القبيلة. وبمرور الزمن تتلاشى الفروق بين مكونات الدم ومكونات الانتماء ، وتبقى القبيلة وحدة اجتماعية ومادية واحدة ، ولكنها وحدة دم وأصل أكثر من أي تكوين آخر .
 

الأمـة


 

   الأمة هي مظلة سياسية قومية للفرد أبعد من المظلة الاجتماعية التي توفرها القبيلة لأفرادها… والقبلية هي إفساد القومية ، فالولاء القبلي يضعف الولاء القومي ويكون على حسابه.مثلما الـولاء العائلي يكون على حساب الولاء القبلي فيضعفه كذلك . والتعصب القومي بقدر ما هو ضروري للأمة هو مهدد للإنسانية.
  إن الأمة في المجتمع الدولي هي مثل الأسرة في القبيلة ، فكلما تناحرت عائلات القبيلة الواحدة وتعصبت لنفسها تهددت القبيلة بطبيعة الحال . مثل أفراد الأسرة الواحدة إذا تناحروا وتعصب كل فرد لذاته تهددت الأسرة . وإذا تناحرت قبائل الأمة وتعصبت كل قبيلة لنفسها تهددت تلك الأمة ، والتعصب القومي واستخدام القوة القومية ضد الأمة غير القوية أو التقدم القومي نتيجة استحواذ ما لأمة أخرى هو شر وضار للإنسانية . ومع هذا فالفرد القوي والمحترم لذاته والمدرك لمسؤولياته الفردية مهم ونافع للأسرة . والأسرة المحترمة والقوية المدركة لأهميتها مفيدة اجتماعياً ومادياً للقبيلة . والأمة المتقدمة والمنتجة والمتحضرة مفيدة للعالم كله. والبناء السياسي والقومي يفسد إذا نزل إلى المستوى الاجتماعي ، أي المستوى العائلي والقبلي وتفاعل معه وأخذ اعتباراته . 
  بما أن الأمة عبارة عن أسرة كبيرة بعد أن مرت بمرحلة القبيلة وتعدد القبائل المتفرعة من أصل واحد ، وكذلك المنتمية إلى ذلك الأصل انتماء مصيرياً .

 

   والأسرة لا تصير أمة إلا بعد مرورها بمراحل القبيلة وتفرعها ومرحلة الانتماء نتيجـة الاختلاط المختلف … وذلك يتحقق حتماً اجتماعياً بعد زمن لا يمكن إلا أن يكون طويلاً . ومع هذا ، فإن طول الزمن كما ينشئ أمماً جديدة يساعد على تفتيت أمم قديمة ، ولكن الأصل الواحد والانتماء المصيري هما الأساسان التاريخيان لأي أمة . ويبقى الأصل في المرتبة الأولى والانتماء في المرتبة الثانية ، فالأمة ليست أصلاً فقط ،حتى وإن كان الأصل هو أساسها ومنشأها ، ولكن الأمة علاوة على ذلك هي تراكمات تاريخية بشرية تجعل مجموعة من الناس تعيش على رقعة واحدة من الأرض… وتصنع تاريخا واحداً… ويتكون لها تراث واحد.. وتصبح تواجه مصيراً واحداً . وهكذا فالأمة بغض النظر عن وحدة الدم هي في النهاية انتماء ومصير . 
  ولكن لماذا شهدت خريطة الأرض دولاً عظمى ثم اختفت وظهرت على خريطتها دول أخرى والعكس ؟ هل السبب سياسي ولا علاقة له بالركن الاجتماعي للنظرية العالمية الثالثة ، أم السبب اجتماعي ويخص هذا الفصل من الكتاب الأخضر ؟لنر : لا خلاف على أن الأسرة تكوين اجتماعي وليس سياسياً، والقبيلة كذلك، لأنها أسرة توالدت وتكاثرت فأصبحت أسراً عديدة.والأمة هي القبيلة بعد أن كبرت وتعددت أفخاذها وبطونها وتحولت إلى عشائر ثم قبائل. 
  فالأمة أيضاً تكوين اجتماعي علاقته (القومية)… والقبيلة تكوين اجتماعي علاقته (القبلية)… والأسرة تكوين اجتماعي علاقته (الأسرية). وأمم العالم تكوين اجتماعي علاقته (الإنسانية)..هذه بديهيات . ثم هنـاك تكويـن سيـاسي يكون الدولة هو الذي يشكل خريطة العالم السياسية… ولكن لماذا تتغير خريطة العالم من عصر إلى آخر ؟ السبب هو أن التكوين السياسي هذا قد يكون منطبقا على التكوين الاجتماعي وقد لا يكون كذلك . فعند انطباقه على الأمة الواحدة يدوم ولا يتغير ، وإذا تغير نتيجة استعمار خارجي أو تدنى يعود للظهور مرة أخـرى تحت شعار الكفاح القومي ، أو النهوض القومي ، والوحدة القومية . أما إذا كان التكوين السياسي يجمـع أكثر من أمة ، فإن خريطته تتمزق من جراء استقلال كل أمة تحت شعار قوميتها. وهكذا تمزقت خريطة الإمبراطوريات التي شهدها العالم لأنها تجمع عدة أمم ما تلبث حتى تتعصب كل أمة لقوميتها ، وتطلب الاستقلال فتتمزق الإمبراطورية السياسية لتعود مكوناتها إلى أصولها الاجتماعية، والدليل واضح تمام الوضوح في تاريخ العالم إذا راجعناه في كل عصر من عصوره.
  ولكن لماذا تتكون تلك الإمبراطوريات من أمم مختلفة ؟ . الجواب هو أن تكوين الدولة ليس تكويناً اجتماعيـاً فقـط كالأسرة والقبيلة والأمة، فالدولة كيان سياسي تخلقه عدة عوامل أبسطها وأولها القومية . فالدولة القومية هي الشكل السياسي الوحيد المنسجم مع التكوين الاجتماعي الطبيعي  وهي التي يدوم بقاؤها ما لم تتعرض لطغيان قومية أخرى أقـوى منهـا، أو أن يتـأثر تكوينهـا السيـاسي كدولة بتكوينهـا الاجتمـاعي كقبائل وعشائر وأسر. فلو خضع التكوين السياسي للتكوين الاجتماعي العائلي والقبلي أو الطائفي وأخذ اعتباراته لفسد.
أما العوامل الأخرى لتكوين الدولة غير الدولة البسيطة ( الدولة القومية ) فهي عوامل دينية واقتصادية وعسكرية .
  فالدين الواحد قد يكون دولة من عدة قوميات… والضرورة الاقتصادية كذلك … والفتوحات العسكرية أيضاً... وهكذا يشهد العالم في عصر ما تلك الدولة أو الإمبراطورية ، ثم يراها قد اختفت في عصر آخر.فعندما تظهر الروح القومية أقوى من الروح الدينية ، ويشتد الصراع بين القوميات المختلفة التي يجمعها دين واحد مثلاً ، تستقل كل أمة راجعة إلى تكوينها الاجتماعي فتختفي تلك الإمبراطورية… ثم يأتي الدور الديني مرة أخرى عندما تظهر الروح الدينية أقوى من الروح القوميـة فتتحد القوميـات المختلفة تحت علم الدين الواحد.. حتى يأتي الدور القومي مرة أخرى وهكذا . 
  فكل الدول المتكونـة من قوميـات مختـلفة بسـبب ديني أو اقتصادي أوعسكري أو عقائدي وضعي سوف يمزقهاالصراع القومي حتى تستقل كل قومية.. أي ينتصر حتماً العامل الاجتماعي علىالعامل السياسي.
  وهكذا فبالرغم من الضرورات السياسيةالتي تحتم قيام الدولة ، إلا أن أساس حياة الأفراد هو الأسرة ثم القبيلة ثم الأمة إلىالإنسانية ، فالعامل الأساسي هو العامل الاجتماعي وهو الثابت .. أي القومية. 

  فيجب التركيز على الحقيقة الاجتماعية والعناية بالأسرة ليظهر الإنسان السوي المربى ، ثم القبيلة كمظلة اجتماعية ومدرسة اجتماعية طبيعية تربي الإنسان اجتماعياً فيما فوق الأسرة ثم الأمة ، إذإن الفرد لا يعرف قيمة القيم الاجتماعية إلا من الأسرة والقبيلة ، وهما التكوين الاجتماعي الطبيعي الذي لا دخل لأحد في صنعه ، العناية بالأسرة من أجل الفرد والقبيلة ، من أجل الأسرة، من أجل الفرد والأمة..أي القومية ، فالعامل الاجتماعي هو المحرك الحقيقي والدائم للتاريخ ( أي العامل القومي ) .
  إن تجاهل الرابطة القومية للجماعات البشرية ، وبناء نظام سياسي متعارض مع الوضع الاجتماعي هو بناء مؤقت سيتهدم بحـركـة العـامل الاجتماعي لتلك الجماعات ، أي الحركة القومية لكل أمة.
  تلك كلها حقائق معطاة أصلاً في حياة الإنسان ، وليست تصورات اجتهادية، وعلى كل فرد في العالم أن يعيها ويعمل وهو مدرك لها حتى يكون عمله صالحاً. أي من الضروري معرفة هذه الحقائق الثابتة حتى لا يقع انحراف وخلل وإفساد لحياة الجماعات البشرية نتيجة عدم فهم واحترام هذه الأصول للحياة الإنسانية.