|
الأردن: الاستجابة للإصلاح
...مؤجلة
حديث الإصلاح وأسبابه وأفاقة في الأردن ذو شجون, كما هو حال حديث
الإصلاح في أكثر من قطر عربي. فإذا كان الإصلاح مهمة حزب أو جبهة أو
نخبة سياسية ,فان استقلال الأردن "بغايات"إصلاحه, له ما يبرره.وهذه
الحالة امتاز بها الأردن لأسباب منها ما له صلة بمكوناته, ومنها ما هو
ذو صلة بعلاقاته الإقليمية والدولية ,والحال يمكن القول بأن
"أقلمة"الإصلاح بالمعنى العربي غير واردة الآن لان كل قطر عربي يعطي
الأهمية الأقل لعلاقاته العربية عندما يحدد طبيعة حراكه, أو عندما
يحاول أن يرسم صورة مستقبله. أما عن "تدويل" الإصلاح الذي تبشر به
مؤشرات كثيرة خارج حدود الوطن العربي ,فان القول بأنه في غير صالح
الوطن العربي،غير سابق لأوانه. ومن الأسباب ما يدعو إلى التذكير بان
الديمقراطية التي تقتحم الحدود على متن الدبابات ،ليست بالديمقراطية
التي يحتاجها الوطن العربي ومنه الأردن بطبيعة الحال.
بادئ ذي بدء ،نقول بأن الإصلاح مهمة تتولى القيام بها حكومة رشيدة أو
تدعو إليها معارضة نشطة تعرف ما تريد وتستطيعه. وهي تستطيع التوفيق بين
قدرتها على التنظير والممارسة..بمعنى أخر، تستطيع توجيه دفة المساءلة
والنقد في النظام السياسي الكلاسيكي. ونموذج الغرب العصي على الاستيراد
والتصدير لا يسهل قبوله ولا يسهل القطع معه. في ظاهر الأمر, تبدو مراكز
الغرب "الامبريالي" مهتمة بتسوية شرق أوسطية تؤدي إلى قيام عالم متجانس
تسوده قيم الديمقراطية والحرية. هذه الرؤية غني عن القول أن لها جذورها
"عندما يتحول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نمط سائد وحيد. الأمر الذي
يعني تحويل العالم إلى وحدة تميل إلى التجانس" لكن الذي حدث عكس ذلك,
إذ أن أنماط الحكم والحياة والأجور اختلفت في الأطراف عنها في المراكز.
والحال، فإن حديث الوحدة _التجانس السياسي, اخذ بهمل عن قصد العامل
الاقتصادي، وبالتالي, فان نصيب الآخذين بنظريه التجانس أو الحالمين بها
هو الدوران في حلقة مفرغة تفضي إلى المآسي والكوارث. ومقاربة الأمثلة
القليلة, تغني عن الدخول في التفاصيل.
بالنسبة للأردن،عندما تدخل السياسة على خط الإصلاح ونادرا ما يجري
تحييدها: إن الأردن الآمن من الداخل، بانسجام مكوناته الداخلية يمتلك
إمكانيات التطوير والتحديث والسير في اتجاه دولة مدنية حديثة، وامن من
الخارج, بامتلاك القدرة على الدفاع عن حدوده بالمعنى الشامل للكلمة.
وذلك بخط سياساته الملائمة لمصالح مواطنيه... ما ينبغي قوله بهذا الصدد
إن تصريحا عابرا لصهيوني لا يكفي لإحداث ضجة أو تعديل خط سير . وينبغي
أن يصبح الأمر بحيث أن التعطيل الذي تسببه الإشارات القادمة من خارج
الحدود, لا يجوز إن يوهن ساسه ولا أن يربك حركة. ومكونات المجتمع
الأردني، بدءا من المعارضة ليست على قدر من وضوح الرؤية والتماسك بحيث
تستطيع قيادة نضال جماهيري يرى الإصلاح حقا لا مراء فيه. فالإصلاح له
عناوين واضحة ،أما المعارضة التي لا يلم شملها إلا شعارات عامة ،والتي
يسعد بعض أطرافها العودة من الشوارع بانتصارات جزئية, فهي لا تستطيع أن
تخفي أنها تقف حائرة أو مترددة على تخوم التحول الديمقراطي. أما عن
المعارضة التقليدية, فلا نرى باسا من التذكير بان النادي السياسي
الأردني يستطيع المرء فيه الانتقال من فسطاط المعارضة إلى خيمة
الحكم..ولا بأس على أي عضو في النادي أن يفعل لان ممارسة الوظيفة
العامة لا تضع المرء تحت طائلة الشبهة ،فهي قد تكون وسيلة لوضع قيمه
ومثله موضع التطبيق. بكلمات: إن الوظيفة العامة ليست جائزة يفوز بها
المرء لسبب أو لآخر. وما على المعارضة إلا التبرؤ من " كيدية نقد
الأشخاص" والانتقال إلى نقد السياسات والبرامج ومنه أداء الأشخاص في
مواقعهم ومواقفهم من جهة تنشغل قطاعات النخبة بما قد يكون عليه أهل
الغرب تجاه الإصلاحات المطلوبة أو الممكنة. ومن جهة ثانية تنادي قطاعات
أخرى بخيارات مغايرة. مع أن الحقيقة تؤكد بأن خيارات الأمم تتكون في
واقع التاريخ وليس وهماً باستعادة الحاضر لما اكتمل أو تم في الماضي.
فلا الهوية القومية ولا الهوية الطائفية ولا العشائرية إلا فعلا
اجتماعيا يضرب في الواقع. وليست سجيه قارة تستعاد بالسليقة. أما الجهة
الثالثة من المشهد، فإن المشروع الصهيوني يشغلها بتواجده على مرمى حجر.
والحال: تنشغل قطاعات نافذة في الحياة السياسية الأردنية ب " مآلات "
الحلول الفلسطينية، وهذه وصفة رغم سخونتها, تؤدي إلى تجميد الوضع. ومن
المفيد لفت النظر إلى أن استدعاء الدين "للإلحاح" على التغيير يجعل من
الدين مع تعدد صور " توسله " واحدة من فزاعات التغيير التي يلجاً أليها
النظام في أكثر من قطر عربي. وهو ما يؤدي استدعاء الدين. والخوف من
الوطن البديل إلى النتيجة ذاتها : إن التغيير أو الإصلاح غير ممكنين أو
غير مرغوب فيهما راهناً على الأقل. عن النادي السياسي ثمة ما ينبغي
قوله ومنه هذه الحملة الرامية إلى إضعاف حكومة البخت والدعوة إلى
رحيلها أو التبوء بتعديلها وكان رحيلها أو تعديلها يفتح آفاقا رحبة
أمام التغيير والإصلاح. وهذه الحالة التي تعبر في جانب منها عن مأزق
الحكم، تعبر في وجهها الآخر عن حيويته وقابليته للاستمرار الإصلاح, لا
تقدر عليه حكومة ضعيفة، أو مستضعفة. وعلى الذين يجاهرون بضعف الحكومة
أو أن يضيفوا عناوين أخرى لعثراتها زيادة على ملف الكازينو وسفر خالد
شاهين. إن مجادلة الحكومة ومحاورتها في قانون انتخاب عصري لا يبحث عن
طريقة "لهندسة"مجلس نيابي أكثر جدوى من هذا الضجيج. لان مقاربه سفر
خالد شاهين تنتهي بالسكوت الضمني عن تفصيل سجن استراحة له على مقاسه.
أما عن ملف الكازينو فان الرأي العام لا يكاد يعرف فيما إذا كان الضجيج
يتناول " الإقرار" بحاجة الأردن إلى كازينو مخالف للشريعة ومن ثم يستحق
اللوم من أقدموا على التصريح له، أو أن شروط عمله – الترخيص له، تتضمن
مغالاة في التسهيلات لا تسمح بها التشريعات الأردنية.
وما هو أجدى أيضا هو الترحم مع الحكومة على أيام "وصفي التل و يعقوب
السلطي"عندما كانت الاردنه تعني التوسع في الرقعة الخضراء. إن الحكومة
الحالية التي لا تتبرأ من الإصلاح ،لا يناقشها الملأ التزاما بالحاجة
إلى ميثاق وطني يعيد ما أسفرت عنه هبة نيسان. أما اللهفة على حل مجلس
النواب التي تدخل في مفاضلة مع قانون انتخاب عصري. إنها تعني دعوة
لمجلس إلى العمل تحت ضغط الخوف من الحل، وهذا يعني إرباك دوره لدى
مناقشة مشاريع القوانين...
التطور الجديد الذي دخل عالم المعارضة والحراك السياسي المسمى بهذا
الاسم، يتمثّل بفئة الشباب الذين ألزمتهم البطالة بيوتهم، وأدخلتهم
عوالم افتراضية يجدون من خلالها مساحة من حرية الحركة والتفكير وهم
خارج منازلهم على هامش الاقتصاد والسياسة. ولكن ظهورهم المتأخر, وإلى
حد ما الحالات الغامضة للحراك في بلدان عربية أخرى, فضلا عن المأزق
الذي دخله الحراك في كل من اليمن وليبيا وسوريا. والذي لا يعطي الكثير
من الأمل لهؤلاء الشاب. وهذا الواقع، رغم سوءه, يغري بالميل للتأجيل،
لان آفاق الإصلاح وشروطه على صعد السياسة والاقتصاد والاجتماع، ليست
ذلك على القدر من الوضوح الذي تحلم بعض أو كل أطراف المعادلة الأردنية.
فاتحة البديل |