حرر
الخبر يوم
الاحد الموافق: Sunday,
August 9,
2009 الساعة: 12:56:16
AM
أيديولوجية
المرحلــة:
بقلم/ محمد حمدان القاق
توطئة:
يؤلمنا التسليم بصحة ما كنّا توقّعناه من أن الاستمرار في الانقسام
العربي، سيخرج الأمة من سياق التاريخ عبر مرحلة مقبلة. والاستمرار في
الانقسام الفلسطيني، سيخرج القضية الفلسطينية من سياق التاريخ، وكذلك
الجغرافيا، نظرا لما هو جار من تغيير لمعالم الأرض والإنسان فوق أرضنا
المحتلة.
نعم، لقد خرجت الأمة العربية من سياق التاريخ عبر مرحلة راحت تتبلور
للتو، حيث لم يعد ممكنا لهذه الأمة في وضعها الراهن، أن يكون لها في
ترتيب موازين القوى الجديدة، مكان.
وها هي القضية الفلسطينية تخرج من سياق التاريخ، وعلى وشك أن تخرج من
سياق الجغرافيا أيضا، بعد أن لم تعد القضية الفلسطينية قابلة للحل، وقد
بلغ الانقسام بين مواقف القادة الفلسطينيين، هذا المدى من العمق
والتعقيد.
وعليه، فإنه لم يعد مجديا البحث عن حلول مجزّأة، لقضايا معقّدة، تعيشها
جماهير ممزّقة.
وتبقى الفرصة الوحيدة المتاحة أمام القضايا العربية مجتمعة، من خلال
البحث عن وسيلة جدّيّة، تعيد للجماهير دورها.
تسوية..
أم تصفيــة؟.
عبّر هيكل من خلال لقائه مع الجزيرة "تجربة حياة"، وفي وقت مبكّر، عن
أن ما يجري بالنسبة للقضية الفلسطينية الآن، هو عملية تصفية، وليست
تسوية. واستنادا لما آلت إليه الأوضاع من انهيار كامل للقيم والموازين،
فإن ما عبّر عنه هيكل، أصبح واقعا ملموسا. وأمام هذه المفارقات، فإن
الجماهير العربية من حقّها أن تتساءل:
لماذا نجحت ثورات في تاريخنا المعاصر {كوبا، الجزائر، فيتنام}، وقد
مارست كل منها الكفاح المسلّح، ما بين الأربع، لثماني سنوات، ومن ثم
انتصرت. في حين أن العقدة الفلسطينية التي بدأت خيوطها تنسج منذ بدأ
التحضير لعقد المؤتمر الصهيوني الأول في "بازل" سويسرا عـــام/ 1897
وحتى الآن، فإن هذه {العقدة ـ القضية}، عادت اليوم، وبعد أكثر من قرن
من الزمن، لتستقر فيما دون مربّعها الأول.
في عام/1919 مارس الفلسطينيون الكفاح المسلّح ردا على وعد بلفور. وكذلك
ثورة عام/1936، أجبرت بريطانيا على إصدار "الكتاب الأبيض"، الذي جاء في
نصّه ما يلغي وعد بلفور. لكن وعد بلفور ترسّم على الأرض، في حين أن
الكتاب الأبيض طوته الأدراج. وفي عام/1947 مارس الفلسطينيون الكفاح
المسلح أيضا. وفي عام/1965 كانت الثورة الفلسطينية المعاصرة. وفي عام/1967
بادرت جميع شرائح الشعب الفلسطيني لحمل السلاح استمرارا
لثورتهم المعاصرة. وما زال الفلسطينيون يمارسون كفاحهم المسلّح من أجل
قضيتهم. وبعد كل فعلوا، تأتي جميع النتائج عكسية.. لماذا!؟.
الجماهير العربية، لم يعد يقنعها التسليم بأن ما حدث هو قدر، عليها
التسليم بنتائجه مهما كانت هذه النتائج، غير معقولة. فالقدر، كما تراه
الجماهير، ينبغي أن يكون منطقيا، ذلك لأن الشعوب المعاصرة، هي التي
راحت تصنع أقدارها، باستثناء جماهيرنا العربية.. "لماذا"!!.
لقد أدركت الجماهير العربية أخيرا، أن الآخرين هم الذين كانوا وما
زالوا يصنعون للأمّة واقعها، وبما يخدم مصالحهم. وهنا تكمن العلّة.
ولقد أصبح جليّا، وبما لا يدع مجالا للشك، أن ما يجري في الساحة
الدولية من تطورات دراماتيكية، والتي لم يكن للأمة العربية دور في
صنعها، هي التي وضعت الأمّة في هذا الموقع، الذي رحت من خلاله تتأثّر
بالقرارات السلبية التي تصدر عن المجتمع الدولي، دون أن يكون لها دور
في صنع هذه القرارات أو تعديلها. والسبب يعود، لكونها غيبت نفسها. وغاب
عن الساحة الدولية دورها. ولكي تتمكّن الأمّة من وضع أقدامها على نقطة
بدء صحيحة، فليس أمامها سوى اعتماد أيديولوجية تعيد للجماهير العربية
دورها، أيديولوجية تصلح للأمة العربية، ولغيرها. أي أن تكون أيديولوجية
عالمية، وتصلح أن تكون مظلّة تحمي من يتفيّأ تحت مظلتها. وبغير ذلك،
فستبقى الأمة، تعيش المأساة تلو المأساة.. وبغير توقّف.
والسؤال هنا: أليست "النظرية العالمية الثالثة"، التي تبشّر بقرب ظهور
"عصر الجماهير"، حيث تصيح "السلطة والثروة والسلاح، بأيدي الجماهير".
وتمارس الجماهير "ديمقراطيتها المباشرة"، دونما نيابة من أحد، أو إنابة
أحد عن أحد. أليست هي أفضل ما يناسب هذه الأمّة، ويناسب جماهيرها عبر
مرحلة مقبلة؟.
أيديولوجية..
المرحلــة:
عبّر "لينين"، عن أن الإمبريالية، عندما تبلغ الذروة في تطورها، ستبدأ
بالانهيار لصالح مجتمع اشتراكي يسود الكرة الأرضية. وذهب في تصوّره،
إلى أن الإمبريالية، ستكون أعلى مراحل الرأسمالية. وارتكزت نبوءته "
على أن المجتمع الاشتراكي عندما يبلغ الذروة في تطوّره، يكون قد مهّد
لمرحلة المشاع الثانية "حسب نبوءة ماركس". وهي "المرحلة الشيوعية"، حيث
يكون التسيير الذاتي، هو السائد في مسار المجتمعات البشرية. وحرص
"ماركس"، على أن لا يذهب بعيدا، بالدخول في تفاصيل "المرحلة الشيوعية"،
حيث هذه المرحلة، هي التي ستتحدّث عن نفسها فيما بعد، كما عبّر عن ذلك
"ماركس" نفسه"..
وكما أجمع المراقبون، فقد كان الأخ "القذّافي" "ومنذ نعومة أظفاره"..
قارئا نهما. فكان أن قرأ جميع الفلسفات المطروحة في الساحة الدولية.
وقرأ من بينها الماركسية بإمعان، وراح يراقب ما يجري في الاتحاد
السوفييتي من خروج على الثوابت التي ترتكز عليها الأيديولوجية
الماركسية. ومن هذا الموقع علّق على ظاهرة الانهيار التي ألمّت
بالمجتمع السوفييتي، نافيا مقولة أن الاشتراكية قد فشلت. مؤكّدا حقيقة
أن الاشتراكية لم تطبّق يقينا، لكي نقول، أنها فشلت.
"النظرية العالمية الثالثة" التي جاء بها "الكتاب الأخضر" الذي صاغه
"القذّافي"، والتي تبشّر بقرب ظهور "عصر الجماهير"، حيث تمسك الجماهير
بالثروة والسلطة والسلاح. وتوزّع الثروة توزيعا عادلا. وتمارس فيما
بينها، "الديمقراطية المباشرة". حيث لا نيابة من أحد على أحد. ولا
إنابة أحد عن أحد. أما الأيدي العاملة، فينبغي أن لا تبقى أجيرة، إنما
لا بد وأن تكون شريكة فيما تعمل. وبهذا يتخلّص العمال من عبودية الأجر،
وإلى الأبد.
هذه النظرية، لم يأت بها "القذافي" من فراغ. بل جاءت نتيجة لقراءة
معمّقة من جانبه، لجميع الفلسفات، وجميع تجارب الشعوب التي وقعت عليها
يده. فجاءت هذه النظريّة، حصيلة لكل ما صحّ من هذه التجارب. وجاءت
أيضا، فاتحة ذراعيها لكل ما تثبت صحته في المستقبل. ولكل ما تجود به
العقول المبدعة فيما بعد.
غير أن الجماهير حسب "النظرية العالمية الثالثة"، ينبغي أن لا تملك
الثروة، والسلطة، والسلاح، قبل ان تمتلك الوعي الكامل لكيفية فعل ذلك.
فالطريق الموصلة لعصر الجماهير، ينبغي أن تكون مشغولة بتوعية الجماهير
لدورها. ومن خلال إطلالة الجماهير على كل ما هو خيّر، مما جاد به الفكر
الإنساني حتى اللحظة. إنها "الثورة الثقافية" بالمعنى الكامل للكلمة،
وصولا لعصر الجماهير. وليس هنالك "وصولا لعصر الجماهير"، من طريق غيره.
من هنا، فإنه لم يعد مجال للقول أن النظرية تدعو الجماهير لحمل السلاح
على الفور. والاستيلاء على السلطة فورا، تعجيلا للوصول لعصر الجماهير.
إذ على الجماهير، أن لا تحمل السلاح قبل أن تمتلك الوعي الكامل لكيفية
استعمال هذا السلاح، وفي أي موقع ينبغي استعماله. لئلا يستخدم سلاح
الجماهير، في غير صالح الجماهير.
على أن هذا القول يصبح في غير مكانه لدى الحديث عن حمل السلاح في
مقاومة الاحتلال، أكان ذلك في فلسطين، أو العراق، أو في أي بقعة من
بقاع الأرض، يربض فوق كاهلها الاحتلال. ففي مثل هذه الأماكن، ينبغي حمل
السلاح، وممارسة الوعي، في وقت واحد.
حوار مع الذات..
أثناء وجبة طعام:
قبل أيام، كنت قد دعيت من قبل "مركز القدس للدراسات السياسية"، لحضور
فعالية في 25تموز/2009 بفندق {Land mark} "راديسون سات" سابقا.
والفعالية تستمر منذ الصباح وحتى المساء. وكنت سأعتذر لانشغالي. لكنني
وبعد أن اطلعت على برنامج الفعالية، فقد غيّرت رأيي، وقررت المشاركة.
لقد جذبتني عناوين الفعّالية، ولفت انتباهي أسماء من سيتناولون الحديث
في هذه العناوين. *ـ فالبحث عن نموذج اقتصادي جديد. *ـ وهل هناك نظرية
اقتصادية في الإسلام؟. *ـ ونظرية السوق الاقتصادي الاجتماعي. *ـ
ومستقبل نظرية السوق الرأسمالي. فلقد جذبتني مثل هذه العناوين بلا شك.
أما الأساتذة المحاضرون، فهم: *ـ معالي الدكتور جواد العناني ـ باحث
ومفكّر اقتصادي أردني. *ـ الدكتور إسماعيل أوزسوي ـ أستاذ اقتصاد في
جامعة الفاتح في استانبول/ تركيا. *ـ الدكتور ماركوس ماركنتنار ـ قسم
الاقتصاد في الجامعة الأمريكية ـ بيروت. *ـ الدكتور أحمد العوران ـ
أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأردنية. *ـ الدكتور سمير الشاعر ـ أستاذ
في قسم الاقتصاد في جامعة الأوزاعي/ لبنان.
أما الجهة الداعية، فهي مؤسسة {Konrad Adenuer Stiftung} الألمانية،
بالتعاون مع مركز القدس للدراسات. وكان الجوهري فيما تم طرحه، هو حوار
اقتصادي بين نظريات اقتصادية، ترتكز على أيديولوجيات مختلفة. وهذه
النظريات، أصبحت في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، مطروحة بقوّة في
الساحة الدولية، لتكون بديلا لاقتصاد ليبرالي، راحت تنهار مرتكزاته.
وهكذا، فإنني لم أستطع منع نفسي من المشاركة، في محاولة من جانبي، لكي
أستمع لما يقال في هذه النظريات. علّني أجد لـ "لنظرية العالمية
الثالثة" في هذا السياق موقعا. وكان أن حفّزني الكثير مما سمعت، لكي
أقول الكثير. غير أن مداخلة لا تتعدّى الدقيقتين، أو الثلاثة "حسب نظام
الندوة"، لم تكن كافية لتوضيح معالم نظرية، لا فكرة لدى الحضور عن
تفاصيلها.
وفكّرت فيما بيني وبين نفسي. لقد كان المدعوون للندوة، في حدود
الخمسين. وإذا كان حجز القاعة بفندق خمسة نجوم. وكذلك استراحتي القهوة،
ووجبة الغداء بالفندق، هي تكاليف تفوق القدرة المالية لأي حزب من
الأحزاب، أو أي مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني في الأردن، حتى وأن كان
ذلك لمرّة واحدة، ناهيك عن أن تناول سلسلة محاضرات كهذه، يحتاج لمرات
متتابعة.
وفي حالة كهذه، فمن الطبيعي أن يكون المضيف القادر على تغطية تكاليف من
هذا النوع، هو مؤسسة كونراد، الضيفة.. المضيفة. وعند هذا المدى من
استرسالي في التفكير، خطر لي تساؤل طريف: كيف لمؤسسة ألمانية وهي
تحاورنا في بيتنا، وتكون هي المضيفة لنا، ونحن أحفاد "حاتم الطائي"!؟.
نظرت حولي ونحن نتناول طعام الغداء، فرأيت وجوها بعضها ملتح، والبعض
الآخر حليقا، لكنها كانت جميعا وجوها متجهّمة. وكأنّي ببعض هؤلاء،
يريدون بتجهّمهم إعطاء هيبة للاقتصاد الإسلامي، على اعتبار أنه أفضل
بديل للاقتصاد الليبرالي بحالته الحاليّة المرتبكة. وتجهّم الطرف الآخر
يأتي بجزء منه مجاملة. وبالجزء الآخر، محاولة لإعطاء نظرية اقتصاد
السوق الاجتماعي جدّيّة، تباري جدّيّة الإسلام في طرحه لنظريته
الاقتصادية.
وأسترسل في خيالي، فأتصوّر الأخوة الألمان ولسان حالهم يقول وهم
يحاورون النظرية الاقتصادية الإسلامية:
نظريتنا أيها الأخوة، جاءت تتويجا لآرقى ما جاد به الفكر الإنساني في
الاقتصاد حتى اللحظة. في حين أن الاقتصاد الإسلامي لم يسبق له أن تبلور
كفكرة متكاملة. ناهيكم عن أن هذا الاقتصاد، غاب عن التطبيق لمدى
أربعمائة عام ألأخيرة. ويبدو أن الأخوة الألمان تحرّجوا من قول كهذا،
فسبقهم إليه آخرون.
انتقلنا بعد تناول وجبة الغداء إلى القاعة لنستمع لكل من الدكتور
"ماركوس"، والدكتور سمير، وكلّ ينتصر لرؤيته الاقتصادية. لكن كل منهما،
لم يكن ليغفل، ضرورة أن يجامل الآخر.
وفي الختام:
فإن الساحة الأردنية، على صغر حجمها، وقلة مواردها، تتميّز بواقع، أن
سرّ قوتها يكمن في ضعفها. فالتعقيدات المحيطة بالأردن، وضعته في موقع
التوازن الذي يفرض على جميع الأطراف المحيطة حمايته وبنفس المقدار. فقد
أصبح الحال وقد فرضت القناعة نفسها على جميع الأطراف الفاعلة في هذا
الإطار، بأن أي عبث في أمن الأردن، سيجعل جميع هذه الأطراف خاسرة.
من هذا الموقع، أصبحت الساحة الأردنية هي بوابة المشرق العربي. ومن هذا
الموقع، أصبحت هذه الساحة، أصلح ما تكون للحوار الفكري. ومن هذا الموقع
أيضا، فإن "النظرية العالمية الثالثة" فيما لو تم التبنّي لطرحها بقوّة
من قبل مؤسسة مجتمع مدني تتعاون مع مؤسسة أردنية في ذات الاتّجاه. فإن
البيت الأردني يستضيف الإنسان العربي بأريحية عربية، يتساوى فيها الضيف
والمضيف. خاصّة ونحن جميعا أحفاد لـ "حاتم الطائي"... وعلى حدّ سواء.