|
أفكار.. على المحك
***
{الحلقة الأولى}
***
بقلم/ محمد حمدان القاق
توطئة:
لا يمكن لأي مثقف أن تكتمل ثقافته, إن لم يكن على علم بمدى تأثير "القوانين
الموضوعية" على حركة الواقع.
فحركة الواقع محكومة بفعل "القوانين الموضوعية" التي هي "قوانين الجدل"
أو {القوانين الديالكتيكية}. وهذه القوانين موجودة في الطبيعة منذ
الأزل.
الفيلسوف "هيغل" هو الذي اكتشف وجود هذه القوانين من خلال بحثه الجوهري
في حركة الظواهر. على أن "ماركس" الذي أقتنع بصحّة ما جاء في هذا
الاكتشاف, وأقرّ بحقيقة وجود هذه القوانين, وبمدى تأثيرها على حركة
الواقع, فإنه قد عارض "هيغل" حول نشأة هذه القوانين.
فـ "هيغل" يقول: بأن الواقع المادي أصل وجوده "فكرة". كما أن هذه "الفكرة"
هي أصل وجود "القوانين الموضوعية" التي تعمل من خلال هذا الواقع.
أما "ماركس" فيقول: بأن الواقع الموضوعي غير مستحدث, بل هو موجود منذ
الأزل. وليس لوجوده من نقطة بدء. ويضيف: إذا تصورنا أن الواقع المادي
مقرونا بالفكرة, عبارة عن ظاهرة على شكل هرم, فإن "هيغل" جعل هذا الهرم
يقف مقلوبا على رأسه, اعتمادا على أن "الفكرة" هي نقطة البدء فيه.
وعلى العكس من ذلك, فقد اعتبر "ماركس" أن الجانب المادي, هو الأساس
الذي بني من فوقه هذا الواقع الهرمي. وأن الفكرة تمثل الرأس من هذا
الهرم.
وبذلك, فقد اعتبر "ماركس" نفسه أنه قلب الهرم ليرتكز على قاعدته
المادية, بدلا من أن يبقى مقلوبا على رأسه, هذا الرأس الذي تمثله"حسب
هيغل" فكرة.
فـ "ألفكرة".. حسب ماركس.. جاءت في وقت متأخر من تطور التاريخ.
وبالتحديد عندما أصبح الإنسان قادرا على التفكير.
ولسنا هنا بصدد المقارنة بين "هيغل" و "ماركس". أو الوقوف إلى جانب هذا
أو ذاك. ما يهمنا في هذا السياق, هو أن الفلاسفة الماديين, والفلاسفة
المثاليين.. يقرون جميعا, بحقيقة وجود القوانين الموضوعية, وحقيقة
تأثيرها على حركة الواقع.
على أنه ينبغي عدم إغفال حقيقة أن الإحاطة بكيفية تأثير القوانين
الموضوعية على حركة الواقع ليست مهمة سهلة. ذلك لأن حفظ هذه القوانين
غيبا هو أمر متاح لكل إنسان. لكن القدرة على الإحاطة بكيفية تأثير هذه
القوانين على حركة الواقع, هو أمر آخر.
فهذه القوانين تفعل فعلها في ظاهرة ما بشكل مختلف عن ظاهرة أخرى. وذلك
يعود لطبيعة الاختلاف في التكوين الداخلي للظواهر.
من هنا فقد انحصرت وفي "نطاق ضيّق" القدرة على التحليل الموضوعي للواقع.
ناهيك عن القدرة على الإطلالة على أحداث المستقبل بطريقة علمية, من
خلال ذلك. فإن مهمة كهذه لن تكون متاحة للجميع, إلا إذا بلغ الوعي
الجماهيري.. مداه الأقصى.
***
كيف تسنّى لماركس..
أن قرأ المستقبل؟.
***
لم يكتف "ماركس بقراءة التاريخ كما ورد بأقلام وعلى ألسنة المؤرّخين
التقليديين. بل أعاد قراءته على أساس من تأثير فعل القوانين الموضوعية
على حركة الواقع في هذا التاريخ. واستخلاصا لما فعل, فقد أعاد ترتيب
أحداث الماضي على أسس جديدة. مما أتاح له فرصة التصوّر شبه الدقيق
لأحداث المستقبل. وكان قد استنتج استكمالا لعمق بحثه, أن الإنسان في
تعامله مع الواقع المتطور, سيخلص في نهاية المطاف, لنتيجة لا مناص من
الأخذ بها. وهي حتمية الأخذ بالتوزيع العادل للثروة, وذلك من خلال
اعتماد النهج الاشتراكي, حيث تصبح الجماهير من خلال ذلك, هي سيدة
الموقف.
وعبّر "ماركس " عن أن ضمان صحة التطبيق الاشتراكي في أي بلد كان, يقضي
بتوفير قاعدة تقنية عالية الوتيرة للمجتمع الذي يراد له أن يتم التطبيق
الاشتراكي فوق أرضه.
ولأن "البرجوازية" كانت في عهد ماركس, قد استأثرت وحدها برأسمال
المجتمع الإنساني, فقد جعلها ذلك, القادرة على تطوير هذه النقلة
التقنية. إذ أن الرأسمال البرجوازي, هو الذي كان مؤهّلا "في حينه" على
تحقيق هذه النقلة.
أما هذه الأيام, فقد تطور كل من الواقع الاقتصادي, وكذلك التقني, وفي
جميع الاتجاهات, على نحو لم تكن لتشمله مخيلة ماركس آنذاك.
نعم, لقد تطورت هذه التقنية, وراحت تأخذ أشكالا متقدمة, بالمقارنة مع
الرؤية التي تصورها ماركس, في نهاية القرن السابع عشر.
على أن السقوط المدوّي للاتحاد السوفييتي في نهاية القرن الماضي, والتي
كانت له أسبابه التي لسنا معنيين بالدخول في تفاصيلها الآن. هذا السقوط,
كان قد سبقه سقوطان مدوّيان آخران. تمثّل السقوط الأول في حربين
عالميتين في النصف الأول من القرن الماضي, حيث دمرّت هاتين الحربين دول
أوروبا اقتصاديا واجتماعيا. حيث أضحت فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية
مسلوبة الكرامة بسبب احتلال ألمانيا لباريس أثناء الحرب, وكان أن هزمت
ألمانيا في تلك الحرب, وكذلك إيطاليا. أما ألإمبراطورية البريطانية
التي لم تكن تغرب عنها الشمس, فقد خلّفتها الحرب العالمية الثانية أسدا
بلا أنياب. حتى اليابان التي كانت تقبع بعيدة في أقصى الشرق من آسيا,
فقد خلّفتها هذه الحرب مهزومة, كسيرة الجانب .
وإذا كان قد جاء سقوط أوروبا من خلال حربين عالميتين في النصف الأول من
القرن الماضي, سقوطا مدويا. فإن سقوطا مدويا آخر للاتحاد السوفييتي,
وقد جاء في نهاية القرن الماضي.
وتتابع مظاهر السقوط في بداية القرن الحالي, متمثلا هذه المرة في تدمير
اقتصاد للولايات المتحدة, وتدمير بيئتها, والإطاحة بأخلاقيات جنودها.
وها نحن نعيش اليوم مظاهر أخرى من السقوط تتمثل في سقوط رموز دكتاتورية
عربية مارست الدكتاتورية تحت مظلة إمبريالية. ورموزا أخرى, مارست
الدكتاتورية بغير مظلة, فأضحى المواطن العربي لا يعرف مظهرا من مظاهر
العيش إلا تحت السقوف الضاغطة للدكتاتورية.
فيما يخص المظاهر المتتابعة لهذا السقوط, لا بد وأن تتبعه مظاهر أخرى
مشابهة. وسيستمر هذا المسلسل يتكرر.. إلى أن تعرف الأسباب تمهيدا
لإزالتها.
وإذا كنا قد سلّمنا بحقيقة أن التطور الذي يطال الظاهرة الإنسانية,
سيبقى محكوما بفعل القوانين الموضوعية, شأنه شأن التطور الذي يطال
ظواهر الكون الأخرى. فينبغي أن لا شيء يوقفنا عن محاولة الدخول في
دهاليز الأسرار التي تقف وراء مظاهر السقوط آنفة الذكر, في محاولة منا
لإخراج الظاهرة الإنسانية من مستنقع هذا السقوط المتكرر, وصولا لبر
الأمان.
يرى عدد من الخبراء أن الأزمة المالية العالمية الحالية, قد تتجاوز تلك
الأزمة في العشرينات "من حيث التأثير على نمط الاقتصاد العالمي في
المستقبل", وأنه لم تتضح بعد أبعاد وتداعيات هذه الأزمة بشكل نهائي.
ومن الجدير بالذكر أن احتفاظ الولايات المتحدة الأمريكية بنصيب الأسد
من هذه الأزمة، يعود لسابق إصرارها على الاحتفاظ بموقعها الذي كانت
تتربّع من خلاله على قمة الهرم الدولي، مما وضع على كاهلها التزامات لم
تتمكّن من الاستمرار في تحمّل تبعاتها. وهو ما يؤكّد حتمية أن تقود هذه
الأزمة إلى تغيير جذري على الصعيدين: {السياسي والاقتصادي}. ليس في
الولايات المتحدة فحسب, وإنما في نطاق موازين القوى الدولية أيضا. وهو
الأمر الذي وضع جميع الأفكار والأيديولوجيات التي جاد بها العقل
الإنساني "حتى اللحظة".. على المحك.
وفي خضم هذا التشابك بين السياسة والاقتصاد, وإلى درجة ما.. "الفلسفة
وعلم الاجتماع", فإن ما يعطي الماركسية ميزتها على هذا الصعيد، هو أنها
تصدّت للاقتصاد البرجوازي, ولأفكار المرحلة البرجوازية، في وقت كانت
فيه البرجوازية أقوى قوة اقتصادية في ذلك العصر. فقد استطاعت أفكار
"ماركس" أن تقسم العالم آنذاك, إلى معسكرين متعاديين.
أما ماركس الذي كان لأفكاره كل ذلك التأثير, فقد كان على الصعيد
الاقتصادي فقيرا معدما. وها هو أحد جواسيس الشرطة البروسية يقول بعد
دخوله شقة ماركس في برلين:
{ماركس يعيش حياة مثقف بوهيمي حقيقي. بل إنه ولشدة الفاقة والبؤس, كان
يعيش لأيام هو وزوجته وأبناؤه على أكل الخبز والبطاطا في الغرفتين
اللتين تشكلان المأوى الوحيد لهما. وتوفي ثلاثة من أبنائه وهم صغار
بسبب هذه الحياة البائسة. وكاد يرمي نفسه في قبر ابنه الثالث. لكن
أحدهم تدخل في اللحظة المناسبة ليمسك به}.
وكما يقول ماركس نفسه:
{لا أحسب أن أحدا قد كتب بهذا الحجم "عن النقود".. وجيوبه فارغة.. إلى
هذا الحد}.
وكتب ماركس مرة لصديقه "إنجلز" يقول: بأنه لا يستطيع الخروج من البيت,
حيث أنه و "بكل فرح", رهن معاطفه ليسدد بعض الديون.
***
وبعودة للحديث عن الأزمة الاقتصادية الراهنة, فقد ازداد عدد الفقراء
بعد هذه الأزمة, وراح هؤلاء الفقراء يزدادون فقرا. أما الأثرياء, فقد
راحوا يزدادون ثراء. فلقد أصبح عدد الجوعى في العالم ألف مليون إنسان.
وانضم إلى هؤلاء "57" مليون بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية
والوقود. وجاء ذلك في مقابل زيادة هائلة في ثروات الأثرياء, وبنسبة
9,4%. ويبلغ مجموع أموال هؤلاء الأثرياء {40,7} تريليون دولار, وذلك
حسب إحصاء عام/2007 . وفي ذات العام بلغ عدد الأثرياء {10,1} مليون.
ومتوسط قيمة الثروة الفردية راحت تزيد عن "4" ملايين دولار. وفي
الولايات المتحدة وحدها, يوجد "3,3" مليون.. مليونير. ويملكون "11,7"
تريليون دولار. وفي أوروبا "3,3" مليون مليونير.. يملكون "10,6"
تريليون دولار.
وعلى ضوء ذلك، فقد راح كل من يملك فكرا, ملزما بأن يدلي بدلوه. وكل من
يملك قدرا من الثقافة, راح ينحاز لهذه الأيديولوجية, أو تلك. على أنه
وقبل كل شيء, فإن الأمر يقتضي منا التوقف عند بعض المفارقات في واقع
الاقتصاد العالمي.
فقد كان يتم اقتراض المحافظين الجدد باسم حكومة الولايات المتحدة
الأمريكية لمئات الملايين من الدولارات سنويا من أوروبا واليابان ودول
الخليج العربية, لمساعدة من يقفون في مواجهة هذه البلدان!!. وكذلك يتم
اقتراض مئات الملايين من الصين الشعبية, من أجل الدفاع عن آسيا في
مواجهة الصين!!.
ثم أليس هو ضرب من الجنون, اقتراض المحافظين الجدد من جميع أنحاء
العالم, بحجة الدفاع عن هذا العالم!؟. وكنتيجة لهذا العبث:
{ألا يحق الافتراض أن الجمهوريين سيرفضون أي سياسة للديمقراطيين تستهدف
فرض ضرائب جديدة ؟. وأن الديمقراطيين بحكم كونهم في الواجهة, سيطرقون
جميع الأبواب التي من شأنها إنقاذ البرامج الاجتماعية التي وعدوا
بإنجازها, وهو ما سيترك الإمبراطورية الأمريكية "التي هي البقرة الأولى
التي يبدو أنها ستقدّم لسكين الجزار.. حسب تعبير البعض"... سيترك هذه
الإمبراطورية في مواجهة ما آلت إليه السياسة الليبرالية الجديدة من
أزمة اقتصادية عالمية خانقة؟}.
***
من خلال نقطة البدء هذه, راحت منظمات ألمانية تنشط, آخذة بالترويج
لنظرية اقتصاد السوق الاجتماعي. كبديل لـ "الرأسمالية المتوحّشة".. حسب
التعبير الدارج. والجديد في نظرية السوق الاجتماعي يتلخّص في إنشاء
اقتصاد متواز يحقق الاستقرار لاقتصاد ليبرالي قائم على الملكية الخاصة
الذي راح يعتمد المرونة التي تسمح بتدخّل الدولة للتخفيف من تأثير
الاحتقانات الاجتماعية.
ولقد سبق لهذا النموذج أن طبّق في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية,
إذ راحت تطبقه اليابان وبعض الدول الاسكندينافية, خاصة السويد. وجاء
هذا التوجّه للربط بين اقتصاد السوق, والتوجهات الاجتماعية. والربط بين
المبادرة الفردية, ودينامكية الاقتصاد. وذلك بالسماح للمنافسة ومنع
الاحتكار. وتدخل الدولة في توجيه بعض الاستثمارات لتلبية احتياجات
السوق.
كما أن الصين الشعبية راحت تطرح مفهوما ليس بعيدا عما سبق طرحه, مع
فارق أنه جاء تحت تسمية "اقتصاد السوق الاشتراكي" بعد تخليه الجزئي عن
مبدأ الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج. وقد حققت هذه النماذج نجاحات
متفاوتة, وفي مقدمتها النموذج الصيني.
أما الدكتور "سمير أمين" مدير منتدى العالم الثالث, فقد لخّص رؤيته حول
البديل الديمقراطي للنظام الليبرالي: بـ "التقدم الاجتماعي". وهذا يقضي
بتطور تقني يزداد بموجبه الإنتاج, وتلبية احتياجات التوسع المرتقب
للأسواق, يواكبه تقدم اجتماعي يضمن حق الجميع في العمل, والتقليل من
التفاوت الاجتماعي. وديمقراطية المجتمع بجميع أبعادها بوصفها عملية
دائمة, لا مجرّد وصفة جاهزة. والتوسع في تطبيق الديمقراطية, ليشمل
الإدارة الاقتصادية والاجتماعية. ولا تتوقّف عند الإدارة السياسية
للمجتمع.
ولقد برزت محاولات لطرح مبادرة تعتمد الاقتصاد الإسلامي كبديل للاقتصاد
الليبرالي, غير أن غياب مفهوم اقتصادي إسلامي متكامل خلال أربعمائة عام
مضت, وقف عائقا لبلورة عاجلة, في مواجهة اقتصاد ديناميكي معقّد.
من هنا, فقد عادت كتب ماركس إلى واجهة المكتبات. وبات أسمه يذكر كلما
جرى تناول الأزمة المالية العالمية الحالية. ومن غرائب ما يتم تداوله
"هذه الأيام", أنه في عام/1867 جاء في كتاب ماركس "رأس المال" الفقرة
التالية:
{مالكو رأس المال سيحفّزون الطبقة العاملة للشراء أكثر فأكثر من السلع
الغالية, والمنازل والتقنية. مما يدفعهم لأخذ أكثر فأكثر ائتمانات
غالية. حتى يصبح دينهم لا يحتمل. والدين غير المدفوع سيؤدي إلى إفلاس
البنوك. مما يدفع إلى التأميم. والدولة ستضطر إلى التدخل. مما يؤدي في
النهاية إلى الشيوعية}.
هذه العبارة من "رأس المال", بدأ يتم تناقلها عبر شبكة الانترنت حول
العالم. وأول ما برز ظهورها في {وول ستريت}. حيث يقال أنها راحت تنتقل
من شخص لآخر. وأثارت ضجة من الجدل والنقاش. وأثارت كذلك الإحساس بالرعب
بسبب دقة توقعها. ومن هذا الموقع, شاعت لبقية أجزاء المعمورة. والتساؤل
راح يدور:
{هل فعلا أن ماركس كتب ذلك حرفيا وبنفس الصياغة قبل أكثر من مائة
وأربعين عاما وكأنه يعيش بيننا؟}.
وتعود مثل هذه التساؤلات "هذه الأيام", لكونه من الصعب التخيّل أن تأتي
توقعات ماركس آنذاك.. بهذه الدقّة, وعلى نحو أذهل الكثيرين من منظري
الاقتصاد الرأسمالي!!.
على أن من يقرأ رأس المال يستنتج بسهولة, أن الفكرة الأساسية لهذه
الفقرة موجودة فعلا وبوضوح في كتاب "رأس المال" على الرغم من
الاختلافات الجزئية في الترجمات بين الطبعات, الألمانية, والبريطانية,
والفرنسية. وحسب العديد من وكالات الأنباء ودور النشر الذين يؤكدون على
أن ذلك التساؤل سيعود ليطرح نفسه وبإلحاح:
{لماذا الاهتمام المبالغ فيه بهذه الفقرة بالذات؟. ثم لماذا عودة
الاهتمام بهذا الحجم بمؤلفات ماركس حيث بدأت دور النشر تطبعها بعشرات
الآلاف من النسخ؟}.
وإذا كان التساؤل حول أن انهيار الاتحاد السوفييتي قد دفع بمؤلفات
ماركس إلى الجيوب الخلفية للمكتبات العالمية. فهل يعني ذلك, أن هذه
المؤلفات ستشهد عودة إلى الواجهة من جديد؟. وإذا كان هذا الاستنتاج
دقيقا, فذلك يعني أن الأيديولوجية الماركسية قد تكون بريئة من أخطاء
التجربة السوفييتية!؟.
في حديث لـ "أي بي أس" قال مدير دار للنشر "كارل دييز فير لانغو" في
برلين.. حتى عام/2004 كنا نبيع أقل من "100" نسخة من كتاب رأس المال في
السنة. أما في العشرة أشهر الأولى من عام/2008 فقد بعنا ما يزيد على
"2500" نسخة.
والتقت الـ "أي بي أس" الأسقف "ماركس" الذي راح يخاطب "ماركس الفيلسوف"
بقوله: لم أهجر أبدا إغراء التحوّل إلى الماركسية. وأضاف معربا عن
إعجابه ببعد نظر الفيلسوف الثوري ماركس.. الذي تنبّأ بالعولمة منذ أكثر
من "150" عام!!.
وإزاء نبوءة ماركس حول العولمة, فقبل أكثر من قرن ونصف من الزمن,
وبالتحديد عام/1848 سبق لكل من "ماركس" و "إنجلز" أن تنبّآ بقدوم ظاهرة
العولمة. وعبّرا عن ظروف هذه المرحلة بالقول:
{كل ما هو جامد سيذوب في الهواء. وكل ما هو مقدّس سيدنّس. والإنسان في
نهاية المطاف سيكون مجبرا على أن يتعامل مع ظروفه الموضوعية بحواس
واعية}.
وحيث أن الإمبريالية في تلك الأثناء لم تكن قد تبدّت على الساحة
الدولية كظاهرة, فقد ارتكز كل من "ماركس" و "إنجلز" في مقولتيهما على
ما كان قائما من أسواق البرجوازية من مصانع وسلع محكومة بعلاقات
برجوازية أدرك كل منهما أنها ستكون ملزمة لكل مجتمع تحط فوق أرضه.
لقد تنبآ {ماركس وإنجلز} بأن البرجوازية: {ستخلق عالما جديدا على
شاكلتها}. وإذا كانت البرجوازية التي عايشها كل من "ماركس" و "إنجلز"
قد تصاعد شأنها وصولا لظاهرة الإمبريالية كأعلى مرحلة من مراحل
الرأسمالية, فهل يغير ما تنبّأ به الرجلان من واقع منتظر لظاهرة
الإمبريالية التي تتقدم على الظاهرة البرجوازية وبما لا يقاس؟. أم أن
من شأن ذلك أن يعطي نبوءة الرجلين بعدا أعمق.
يقول "جون جراي":
{لم يكن يراود "ماركس" و "إنجلز" شك في أنهما سيشهدان بزوغ السوق
الكونية كنظام عالمي للاستهلاك والإنتاج يتعدى الحدود الوطنية
والثقافية للبلد الواحد. وكان هذا التطور موضع ترحيب من قبلهما. ليس
فقط بسبب الثروة التي يمكن أن تتولّد عنه, ولكن أيضا لأنهما اعتقدا أن
ذلك سيمكن البشرية من التغلب على نزاعات الماضي}.
ويضيف "جون جراي" واصفا تصور الرجلين لظاهرة العولمة بالقول: {حيث تتم
العولمة عملها. سوف يبدأ من حياة البشرية.. عهد جديد}.
وهكذا, فإن العودة للماركسية في مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية,
نجد أنفسنا معها, ولا نقف ضدها. لكن ذلك يجب أن لا يعني أن نقبع "وبشكل
مغلق" في قبور الماضي, وأن نبقى في هذه القبور إلى الأبد.
صحيح أن قبور الماضي قد يحتوي بعضها على ثروات جدّ قيمة. لكنه قد لا
يتجاوز محتوى البعض الآخر من هذه القبور.. مجرّد عظام".
إن مصالحنا كمجتمع إنساني، تجبرنا على أن نأخذ من الماضي عبرة. ونطور
ما أخذنا به, ليتلاءم مع آفاقنا المستقبلية. ولو لم تعتمد التجربة
الإنسانية هذا النهج, لبقي إنسان هذا العصر يدور في حلقة مفرغة, في
محاولة لتطوير محراثه البدائي.
لقد سبق لـ "لينين" أن تعلّم الألمانية كوسيلة للإلمام الدقيق
بالماركسية, وذلك, لإغناء المفهوم النظري للثورة البلشفية. لكن لينين
الذي أمسك بزمام الاتحاد السوفييتي عام/1917 لم يلبث أن ودّع الحياة
عام/1921. أما ستالين الذي التزم بالنهج الماركسي أيضا فــ: {لم يفعل
هو ومن بعده, سوى أن حوّلوا الياقات الزرقاء للطبقة العاملة, لتصبح
ياقات بيضاء}... وهكذا انهار الاتحاد السوفييتي.
لقد انهار الاتحاد السوفييتي الذي حاول أن يطبّق الاشتراكية وفشل. ومن
الطبيعي أن لا يكون ماركس مسئولا عن هذا الفشل الذي كان من شأنه أن
عرقل الوصول المبكّر للمرحلة الشيوعية, مرحلة "عصر الجماهير".
***
وبالعودة للظاهرة الإمبريالية, فإنه غني عن البيان, أن هذه الظاهرة
تبلورت في بداية القرن الماضي، كأعلى مرحلة من مراحل الرأسمالية "حسب
تعبير لينبن" من خلال موقعها الجغرافي الأبرز في أوروبا, وبأذرعها التي
كانت ممتدة في الكثير من أقطار العالم.
على أن الإمبريالية ليست هي الدول الأوروبية, وليست هي الولايات
المتحدة الأمريكية. إنما الإمبريالية هي الشريحة التي تملك الكثير وبلا
حدود. وهي شريحة ضيقة من حيث العدد. لكن أذرعها ممسكة بالقرار في
الولايات المتحدة, وكذلك في جميع الدول الأوروبية. وتأثير قرارها يشمل
العديد من دول العالم.
لم تكن الشريحة الإمبريالية في الماضي, ولن تكون في المستقبل, في
الواجهة السياسية.. لأي بلد كان. على أنه وبحكم الغنى الفاحش الذي
تتميّز به هذه الشريحة. فهي القادرة على أن تنصّب الحكام في أوروبا,
وفي أمريكا, وفي غيرها من أقطار العالم. وهي القادرة على أن تنحّيهم.
وهي التي تدفعهم لأخذ القرار بإعلان الحرب. وهي التي تدفعهم لإيقافها.
ودافعها في كل خطوة تخطوها, مصالحها الاقتصادية. ورغبتها في البحث عن
أقصر السبل لمضاعفة ثروتها. وها هو {جان بول هيرمز} يقول:
{الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج المادية, تملك السيطرة على وسائل
الإنتاج العقلية}
لقد دأبت هذه الشريحة على أن تدفع إلى الواجهة السياسية والاقتصادية,
بأفضل من يستطيع أن يتصدّر خدمة لمصالحها. فمن ينجح تكافئه, ومن يفشل,
يكون قد وقّع شهادة وفاته البيولوجية, والسياسية, والاقتصادية, وكذلك
الاجتماعية. ويكون قد أصبح كبش فداء لظاهرة السقوط التي تكون قد ألمّت
به.
{يتبع الحلقة الثانية}
|